الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

183

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعبور الحد ، فتطلق على كل ما يكون سببا لتجاوز الحد المعقول ، ولهذا يطلق اسم الطاغوت على الشيطان ، الصنم ، الحاكم المستبد ، المستكبر وعلى كل مسير يؤدي إلى غير طريق الحق . وتستعمل الكلمة للمفرد والجمع أيضا وإن جمعت أحيانا ب‍ ( الطواغيت ) . ونعود لنرى ما وصلت إليه دعوة الأنبياء ( عليهم السلام ) إلى التوحيد من نتائج ، فالقرآن الكريم يقول : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة . وهنا علت أصوات من يعتقد بالجبر استنادا إلى هذه الآية باعتبارها المؤيدة لعقيدتهم ! ولكن قلنا مرارا إن آيات الهداية والضلال إذا جمعت وربط فيما بينها فلن يبقى هناك أي إبهام فيها ، ويرتفع الالتباس من أنها تشير إلى الجبر ويتضح تماما أن الإنسان مختار في تحكيم إرادته وحريته في سلوكه أي طريق شاء . فالهداية والإضلال الإلهيين إنما يكونا بعد توفر مقدمات الأهلية للهداية أو عدمها في أفكار وممارست الإنسان نفسه ، وهو ما تؤكده الكثير من آيات القرآن الكريم . فالله عز وجل ( وفق صريح آيات القرآن ) لا يهدي الظالمين والمسرفين والكاذبين ومن شابههم ، أما الذين يجاهدون في سبيل الله ويستجيبون للأنبياء ( عليهم السلام ) فمشمولون بألطافه عز وجل ويهديهم إلى صراطه المستقيم ويوفقهم إلى السير في طريق التكامل ، بينما يوكل القسم الأول إلى أنفسهم حتى تصيبهم نتائج أعمالهم بضلالهم عن السبيل . وحيث أن خواص الأفعال وآثارها - الحسنة منها أو القبيحة - من الله عز وجل ، فيمكن نسبة نتائجها إليه سبحانه ، فتكون الهداية والإضلال إلهيين . فالسنة الإلهية اقتضت في البداية جعل الهداية التشريعية ببعث الأنبياء ليدعوا الناس إلى التوحيد ورفض الطاغوت تماشيا مع الفطرة الإنسانية ، ومن ثم فمن